رئيس تحرير عقيدتي في دار الجمهورية للصحافة عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس اللغة العربية في جامعة الازهر
في عالم الإدارة، هناك من يفضل الأضواء، وهناك من يجعل الإنجاز هو المتحدث الرسمي باسمه. ومن بين النماذج التي اختارت الطريق الثاني، يبرز المهندس عبد الصادق الشوربجي- رئيس الهيئة الوطنية للصحافة ، الذي قاد المؤسسات الصحفية القومية في واحدة من أكثر المراحل صعوبة وتعقيدًا، فكان الهدوء سلاحه، والعمل منهجه، والنتائج هي الرد على كل تشكيك.
لم تكن المهمة سهلة، فقد تسلم مسؤولية المؤسسات الصحفية القومية وهي تواجه تحديات مالية وإدارية ومهنية متراكمة، في ظل تغيرات متسارعة تشهدها صناعة الإعلام على مستوى العالم. لكن الرجل لم ينشغل بإلقاء اللوم على الماضي، ولم يبحث عن مبررات، بل انصرف إلى العمل، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: الحفاظ على هذه المؤسسات الوطنية واستعادة قدرتها على أداء رسالتها.
ومن يقترب من أسلوب" الشوربجي" في الإدارة يدرك أنه لا يؤمن بالحلول المؤقتة، وإنما يفضل معالجة المشكلات من جذورها. لذلك كان حريصًا على متابعة الملفات أولًا بأول، والاستماع إلى العاملين، وفتح قنوات الحوار مع الجميع، لأن الإدارة الناجحة لا تقوم على إصدار التعليمات فحسب، بل على فهم الواقع، والإنصات للرأي، وإشراك أصحاب الخبرة في صناعة القرار.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في تجربته أنه لم يسمح للخلافات أو الضغوط أن تصرفه عن الهدف الأساسي، وهو إنقاذ المؤسسات الصحفية القومية من أزماتها، ووضعها على طريق أكثر استقرارًا. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بين ليلة وضحاها، وإنما يحتاج إلى رؤية، وصبر، وإدارة تمتلك القدرة على الموازنة بين متطلبات الحاضر وطموحات المستقبل.
لقد شهدت المؤسسات الصحفية القومية خلال السنوات الأخيرة خطوات هدفت إلى تعزيز الاستقرار الإداري والمالي، وتطوير بيئة العمل، والحفاظ على دور هذه المؤسسات باعتبارها أحد أهم روافد القوة الناعمة المصرية، ومنابر وطنية لها تاريخ طويل في الدفاع عن قضايا الوطن، وترسيخ الوعي، وتقديم صحافة مهنية مسؤولة.
ولهذا، لم يكن مستغربًا أن يتعرض الرجل لحملة تستهدف تجربته. فغالبًا ما يكون أصحاب المسؤوليات الكبرى محل نقد، وهو أمر طبيعي ومشروع متى التزم الموضوعية والإنصاف في التقييم
فالاختلاف في الرأي يظل قيمة إيجابية، لكن الإنصاف يقتضي أن يُقاس أداء المسؤول بما تحقق على أرض الواقع، لا بما يُتداول في حملات لا تستند إلى تقييم مهني متوازن. فالمؤسسات الوطنية تحتاج إلى النقد البنّاء الذي يصحح المسار، لا إلى معارك تستهلك الجهد وتُضعف الثقة.
وقد أثبتت التجارب أن القيادة الهادئة ليست قيادة ضعيفة، بل قد تكون الأكثر قدرة على الإنجاز؛ لأنها تبتعد عن الانفعال، وتقترب من الحكمة، وتُعلي من قيمة العمل المؤسسي على حساب الظهور الشخصي. وهذه السمات حاضرة في أداء المهندس عبد الصادق الشوربجي، الذي اختار أن يترك بصمته بالفعل لا بالقول.
وفي النهاية، فإن التاريخ لا يكتب أسماء من رفعوا أصواتهم، بل يحفظ أسماء الذين حملوا المسؤولية بإخلاص، وعملوا في صمت، وتركوا مؤسساتهم أكثر قدرة على مواجهة المستقبل. وعندها يبقى الإنجاز وحده شاهدًا لا يجادل فيه أحد، وتبقى الكلمة الأخيرة لما تحقق على أرض الواقع وماهو عنا ببعيد .